الشيخ محمد رشيد رضا
427
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من العجز أو عدم العلم ، وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنه يترك له وقتا للتوبة والإنابة بالتأمل في بشاعة الذنب وسوء عاقبته ، فإذا أصر المذنب على ذنبه ، ولم يبق للحلم فائدة في اصلاح شأنه ، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشد من عقاب السفيه على البادرة عند حدوثها ، ومن الأمثال في ذلك « اتقوا غيظ الحليم » ذلك بان غيظه لا يكون الا عند آخر درجات الحلم إذا لم تبق الذنوب منه شيئا ، وعند ذلك يكون انتقامه عظيما . نعم إن حلم اللّه تعالى لا يزول ولكنه يعامل به كل أحد بقدر معلوم « وكل شئ عنده بمقدار » فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بحلمه تعالى كما أنه لا ينبغي له أن يغتر بكرمه ( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ؟ * كَلَّا ) ( 12 : 14 ) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 13 : 15 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ قال الأستاذ الامام : الإشارة في قوله تعالى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ تتناول الأحكام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى ما قبل هذه الآية أي إنه تعالى جعل تلك الأحكام حدودا لاعمال المكلفين ينتهون منها إليها ولا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتعدوها ، وهكذا جميع أحكامه في المأمورات والمنهيات وكذا المباحات فان لها حدودا إذا تجاوزها المكلف وقع في المحظور ، فقد قال عز وجل ( 7 : 30 وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) أقول : فمدار الطاعة على البقاء في دائرة هذه الحدود وهي الشريعة ومدار العصيان على إعتدائها . ولذلك وصل هذه الجملة المبينة كون تلك الأحكام حدودا بذكر الجزاء على الطاعة والعصيان مطلقا فقال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الخ . طاعة اللّه تعالى هي اتباع ما شرعه من الدين على لسان رسوله